بقلم الدكتورة رقية الأشرم
مصر دولة زراعية في الأساس، وظلت الزراعة والثروة الحيوانية لعقود طويلة تمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي. ولذلك كان من الطبيعي أن تتبنى الدولة سياسات لدعم الفلاح وصغار المربين من خلال الأسمدة المدعمة، والجمعيات التعاونية، والقروض الميسرة التي تساعدهم على الإنتاج والاستمرار.
ومع مرور الوقت تطورت برامج الدعم، وظهرت مبادرات تمويلية مخصصة لصغار المربين بهدف زيادة الثروة الحيوانية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم والألبان. وكانت الفكرة في جوهرها جيدة ومطلوبة، لأن صغار المربين هم العمود الفقري الحقيقي للإنتاج الريفي في مصر.
لكن المشكلة لم تكن يوماً في الفكرة، بل في التطبيق.
ففي كثير من الأحيان تتحول منظومة الدعم إلى شبكة معقدة من الإجراءات والرقابة والبيروقراطية التي تجعل المستفيد الحقيقي يشعر وكأنه متهم مطلوب منه إثبات براءته كل يوم. والأخطر من ذلك أن البعض يتحدث عن استغلال بعض برامج التمويل لصالح أصحاب المصالح والنفوذ، بينما يظل المربي الصغير هو الحلقة الأضعف التي تواجه كل أشكال التدقيق والمراجعة والمتابعة.
السؤال الذي يطرحه آلاف المربين اليوم بسيط للغاية: إذا كان القرض الممنوح هو "قرض تغذية" مخصصاً لشراء الأعلاف ورعاية الحيوانات، فمن الطبيعي أن يتم استهلاك قيمة التمويل في عملية التربية والإنتاج. فالمربي لا يضع الأموال في حساب ادخاري، بل ينفقها على العلف والأدوية والرعاية البيطرية ومواجهة الارتفاع المستمر في الأسعار.
وعندما يبيع المربي عدداً من الرؤوس خلال موسم معين لسداد التزاماته أو توفير السيولة اللازمة لاستكمال الدورة الإنتاجية، فإنه يقوم بما تفرضه طبيعة النشاط نفسه. فالثروة الحيوانية ليست أصناماً توضع للعرض، بل مشروع اقتصادي قائم على البيع والشراء والتدوير المستمر لرأس المال.
ومن هنا يبرز التساؤل: هل الهدف من منظومة التمويل هو دعم الإنتاج أم ملاحقة المنتج؟ وهل المطلوب من المربي أن يربي الحيوان أم أن يقضي وقته في إثبات وجوده وتبرير كل خطوة يقوم بها؟
لا أحد يعترض على الرقابة أو حماية المال العام، فهذه ضرورة لا خلاف عليها. لكن هناك فارقاً كبيراً بين الرقابة التي تمنع الفساد والرقابة التي تعرقل الإنتاج. وهناك فرق بين إدارة المخاطر التي تحمي أموال الدولة وبين تحويل الفلاح والمربي إلى متهم دائم يخضع للتفتيش والمراجعة وكأنه ارتكب جريمة.
في ظل التضخم وارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والخدمات، يحتاج المنتج الصغير إلى الدعم والتيسير والثقة، لا إلى المزيد من التعقيدات. فالدولة التي تسعى إلى زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني لا يمكن أن تنجح إذا شعر المنتج الصغير بأن كل الأبواب مغلقة في وجهه.
إن معركة مصر الحقيقية ليست مع الفلاح ولا مع المربي، بل مع انخفاض الإنتاج وارتفاع تكلفة الغذاء. ولذلك فإن نجاح أي منظومة دعم يقاس بقدرتها على زيادة الإنتاج وتحسين مستوى معيشة المنتج، لا بعدد الملفات والتقارير واللجان التي تلاحقه.
فالفلاح ليس عبئاً على الدولة، بل هو أحد أهم أسباب بقائها قوية وقادرة على تحقيق أمنها الغذائي. وإذا أردنا تنمية حقيقية، فعلينا أن نعيد بناء الثقة بين مؤسسات التمويل والمنتج الصغير، لأن من يزرع الأرض ويربي الماشية يستحق أن يجد من يسانده لا من يزيد أعباءه. فالدوله لاترعي ضغار المربين بل تدعم كبار المستثمرين فقط باموالها وليس الشعب.

